هل تسمحين لي بإلقاء التحية عليك؟
حسنا، أنا أعلم الإجابة مسبقا، أعلم أنكِ لن تسمحي لي وأنكِ قد تصوبين نحوي إحدى نظراتكِ الحارقة، المليئة بالغضب والإشمئزاز بعد كل ما حدث بيننا، لكنني يائس ولم أعد أستطيع مقاومة حاجتي الماسة للحديث معك بعد أربع سنوات.
مجددا....
مرحبا فتاتي الملونة: أما بعد،
إنكِ تزدادين جمالاً يوماً بعد يوم، هناك ألق مميز ينعش وجهك وبعض السلام بدأ يحل على تقاطيعكِ.
اليوم بدوت سعيدةً جدًا، سعادة مختلفة، جعلت فضولي يتساءل حول ما خلق لك أجنحة وجعلك تغادرين بيتك مبتسمة، هل كنتِ تبتسمين بهذه الطريقة بعد محادثتنا صباحا؟.
نعم، نعم، لقد كسرت الوعد الأخير وأتيت لأتأملك من بعيد، بل كسرته مراتٍ عديدةٍ، أعترف أن وجودي بقربك يمنحني تلك السكينة التي أدمنتها منذ أن التقيتكِ.
رأيت الخيبة المريرة مرتسمةً على ملامحكِ، ورأيت أيضا مكابرتك في إنكار انطفاءك، رأيت الإرهاق وليالي السهاد الطويلة تترك آثارًا بنفسجية أسفل عينيك، أيامك الصعبة التي كانت تجعل خطواتكِ متثاقلةً، رأيت لامبالاتك وحربك الشرسة ضد مشاعرك في التفاتك العابر نحو الأشياء كأن اللاشعور هو خلاصك، لعنتُ نفسي وشعرت بالذنب كثيرًا، لأنني من تسببت بكل هذا لكِ، لكن هذه الهالة الجديدة التي تحيط بك هذه السنة جعلت شعوري بالذنب يخف قليلاً.
هل تعلمين؟
رغم كل تقلباتكِ لكن الحياة لم تستطع تغييرك، لا هي ولا الجراح التي سببتها لك نالت منك، شققتها بنفس الإصرار.
أعترف أنني هُزمتُ أمامكِ، وأنكِ الشيء الوحيد النقي والثابت الذي صادفته في حياتي، وإن كنت أظن بعد انتهاء علاقتنا ستفقدين هذه الميزة، الفخ الذي أوقعني في شباكك، لكنكِ مازلتِ أنتِ هي أنتِ، مازلت تحملين الأطفال إلى حضنك في طريقك إلى البيت، تقبلينهم وتوزعين عليهم الحلوى، يذهلني كيف تركعين على ركبتيك وتبسطين ذراعيكِ نحوهم، إنهم يتقافزون حولك كالملائكة وأنتِ تمنحينهم جل اهتمامك بسخاء وتنصتين إليهم باهتمام كأنهم يناقشونك حول أحد أهم القضايا في العالم بنظرة تشبه كثيرًا مدفأةً عريقة في كوخٍ جبلي، أعرف هذه النظرة الدافئة جيدًا وأفتقدها، كنت تتوجين بها أحاديثي دوما، هل تعلمين؟ مضى وقتٌ طويلٌ منذُ أن أنصت أحدهم إلى ما لا أقوله مثلما كنتِ تفعلين.
مازلت تغادرين بيتك وأنتِ متأخرة عن موعد محاضرتك محدثة ضجة محببة حولك بارتداء حذاءك أثناء نزولك السلالم، ومحاولة الوقوف بتوازن، تعدلين وشاحك بيد وتضعين سماعاتك بيد أخرى، هل مازلت تفضلين سماع مقطع البيانو نفسه؟ أم أنكِ نسيته مثلما نسيتني بعدما أدركت أن الحب ليس أبديًا؟، أنا أستمع إليه دوما وأشرد في البيانو المهمل في زاوية غرفتي، تتملكني حسرة لا دواء لها لأنكِ لن تعزفي عليه أبدًا.
مازال ذوق ثيابك استثنائيًا، ومازلتِ تجوبين شوارع المدينة كلما شعرتِ بالسأم وتوزعين ابتسامات حلوة على الغرباء كأنكِ تواسين نفسك بها.
آه كدت أن أنسى! هل أخبرتك عن جمال وشاحك الصوفي الرمادي عليك اليوم؟! لقد بدا متناقضًا مع إحمرار خديك الشهي، أشبه برمادية الغيوم البائسة ضد قوس المطر.
لقد مررت اليوم بجانبك وتأملتك طويلا وأنتِ تتشبثين بحزام حقيبتكِ الجلدية بقوة وأنتِ تنظرين نحو ساعتكِ كل فترة، قلقة لأن الحافلة تأخرت. بَدَوْتُ كالمُخَدر، كمن تلقى صفعة مفاجئة، لم ترفعي نظراتك نحوي حتى، وقتها رنت ضحكتك في أذني وأنتِ تقولين لي بصوتك المشاكس والمتحدي بعد أن أخبرتك لن تتعرفي علي حتى وإن مررت بجانبك. قلت: حتى إن لم أرى وجهك، سيعرفك قلبي. يبدو أن قلبك أضاع هويتي.
هل يحق لي التألم؟!
لا أظن، لأنني سببت لك أضعاف هذا الألم حتى طفح كيلك، وأعلم أنكِ لن تصدقينني مهما فعلت واعتذرت هذه المرة، لا يمكن لأحدٍ غفران الإختفاء، دون مبررات، دون وداع. رغم ما حدث، ورغم كل ماسببته لكِ وما بيننا من جراح، كدت أن افقد سيطرتي المعهودة وأعانقك في منتصف الشارع أمام الجميع، عناق بحجم الليالي التي أمضيتها أحلم بك وأعيد كلماتك داخل رأسي، بحجم الدفء الذي جلبته لحياتي والألوان التي فقدت جوهرها منذ اختفائك من حياتي، بحجم إشتياقي لتعبيراتكِ الخاصة بكِ، لتفاصيل يومكِ، لعنادكِ، لأملكِ الساذج، وقلبكِ الذي يقف صامدًا أمام الحياة، لروح التحدي التي أعشق استفزازها، للسانكِ الطويل، ولمشاكساتكِ، للدهشة التي تحملينها نحو كل شيء جديد تصادفينه، إلى حبكِ واهتمامكِ بي كأنني الشخص الوحيد الموجود في حياتكِ.
وبعيدًا عن كل ما قلته، يوجعني كثيرًا عجزي عن لومكِ ولا الشجاعة للوقوف أمامكِ، لأنني من رحلت، من تخليت عنكِ، وأتساءل كثيرًا عن نوع الغباء الذي دفعني لهذا؟!.
تثير جنوني الحقيقة التي اصطدم بها كل مرة كجدار صلب مصر على اعادتي إلى أرض الواقع، لم يعد لي أي حق لي فيك، بائسٌ لدرجة اللجوء إلى الورق والكتابة إليك، إلى درجة التجول في موقعك دومًا واعتبار أي نص تضعينه موجه لي، كأنني أوهم نفسي بامتلاكك بينما أنت مجرد حبيبات رمل ناعمة أفلتت من بين أصابعي ولا يمكنني القبض عليها مجددًا.
فليكن..
سعيد لأنكِ وجدت طريقك، ولأنكِ مازلتِ قوية كما عهدتك وإن كانت فكرة مواصلة حياتك ببساطة دوني تقتلني.
محظوظون هم من سيدخلون حياتك أيتها الصغيرة الملونة.
التوقيع:
المدمن الذي لم يستطع الشفاء منك.
الأحد، 30 أغسطس 2020
فتاتي الملونة
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق